التعلق العاطفي بالآخرين
كتبهاالمستشارالتربوي ، في 26 يونيو 2007 الساعة: 00:20 ص

التعلق بالآخرين
يبدأ الأطفال حال تحولهم انتقائيين توجيهيين في سلوكهم بتنمية تعلق خاص بالناس المألوفين في عالمهم يشمل التعلق الحب والاتكالية على السواء إذ يمارس الأطفال تعلقهم بالناس بالسعي للتقرب منهم وبالاستماتة للحصول على انتباههم واستحسانهم وبالغضب من انفصالهم عنهم ويشير بعض علماء النفس للضروب العشوائية من سلوك الابتسام والمناغاة والتحديق المميزة لمرحلة الرضاعة المبكرة كضرب من التعلق وذلك لأنها تعمل على جذب الانتباه وتقريب الناس بعضهم من بعض غير أن السلوك التعبيري لا يغدو انتقائياً إلا بعد أن يتعلق الصغار فعلاً بأشخاص معينين وأن يتحسسوا غياب هؤلاء وحضورهم 0 درس سلوك تعلق الرضيع بالكبار في عدد من مناطق العالم ويبدو من تلك الدراسات أن تعلق الرضيع بالكبير يظهر في الشهر السادس أو الثامن
ويحدث أن يركز الرضيع تعلقه بشخص واحد هو أكثر الأشخاص استجابة للرمزية الاجتماعية للرضيع 0 وعادة يكون هذا الشخص الأم نفسها وعلى الرغم من أن ثلث الأطفال في إحدى الدراسات قد بدأ تعلقه بأبيه وسرعان ما ينتقل التعلق ليشمل آخرين في عالم الطفل 0 وتتسع دائرة الأشخاص المتعلق بهم مع العمر فتشمل أقارب الأسرة وأصدقاءها ولا يأتي الشهر الثامن عشر حتى يكبر عدد الناس المتعلق بهم لدى الرضع كلهم تقريباً 0
يلعب الشخص الذي يرسي عليه الطفل أول تعلق له دوراً أساسياً في نمو شخصية الطفل بين العمرين ثمانية أشهر وسنتين وتقتصر وظيفة التعلق قبل الشهر الثامن على تأمين العناية العضوية والإثارة الاجتماعية ثم يمتد إلى كل من يحقق تلك الوظيفة غير أن التعلق يأخذ بعد الشهر الثامن صيغة الاتكال الوجداني والدائم على الآخر ويتمثل بظاهرتي ( القلق من الغريب ) و ( قلق الفصم ) 0
تكوين سلوك التعلق :
يتشكل التعلق شأن السلوك التعبيري عندما يثير الوالدان الرضيع وعندما يستجيبان فوراً لإشاراته وخاصة الصراخ منها ويضعف تعلق الطفل ويتأخر إن لم تكن استجابة الوالدين فورية ودافئة 0 يتوقف تعلق الطفل بالراشد على نوع العناية التي يوليها الأخير للأول وعلى شدتها 0 ولابد من التأكيد على إن تفاعلاً اجتماعياً حقاً تفوق أهميته في تشكيل تعلق الطفل بالراشد أهمية الفترات الطويلة من العناية التقليدية 0
يقوم العامل الحاسم في تكوين سلوك التعلق إذاً في نوع العناية الوالدية بالطفل وليس في كمها وليس ثمة أي دليل على أية درجة من التأكيد على تعرض الطفل للشذوذ النفسي نتيجة الغياب الاضطراري لكلا الوالدين عن المنزل خاصة عندما يتوفر للأطفال بدائل ثابتة من الناس توفر لهم حاجاتهم الأساسية 0 ويمكن لأكثر من عضو في الأسرة أن يشارك في الرعاية بالطفل دون أن يتأذى تكون سلوك التعلق لدى الرضيع 0
الخوف من الغريب :
يتوافق سلوك التعلق لدى الأطفال بإثارات من القلق لوجود الغرباء في عالمهم فيتضايق معظم الأطفال بين الشهرين الخامس والثامن من اقتراب الغرباء منهم تضايقاً أميل لأن يتحول إلى العبوس والصراخ والابتعاد ويبلغ خوف الطفل من الغريب ذروته في نهاية السنة الأولى ثم يبدأ بالاضمحلال وذلك عندما لا يجد الرضيع في الغريب ما يستدعي خوفه يعجز الوالدان عن تقبل ظاهرة خوف الطفل من الغريب فينتابهم القلق من تدهور التطور النفسي للولد هذا مع العلم أن ظاهرة الخوف من الغريب ليست عامة وبعض الأطفال يتخطى هذا الخوف بسرعة مذهلة ومع ذلك فإن من المفيد للوالدين أن يتعرفا أبعاد خوف الطفل من الغريب وأن يدربا الطفل على الخطوات التي تساعد على التغلب عليه 0 وعلى الأهل ألا يحثوا رضيعهم على معاناة الكابة مع الغريب بإعداده للمعاناة الاجتماعية الإيجابية خلال الأشهر الستة الأولى من العمر 0
قلق الفصم :
يميل أغلب الرضع وبعد أن يتضح قلقهم من الغريب إلى أن يخافوا البعد عن والديهم أو عن الآخرين الذين سبق لهم أن تعلقوا بهم ، ويبلغ قلق الفصم ذروته بين الشهر 13 و18 من العمر حيث يبدأ بالزوال هو الآخر ويعبر الأطفال عن قلق الفصم بالإضافة إلى الصراخ والعبوس بالتعلق بالراشد عندما يحاول ترك المكان إلى آخر وذلك لقدرة الطفل على المشي والحركة في تلك السن ويمكن بسبب العلاقة بين ضربي القلق معرفة ما إذا كان الرضيع متعلقاً بشخص ما وذلك بملاحظة سلوك الرضيع لدى مغادرة ذلك الشخص للمكان والرجوع إليه 0 لقد درس ( بل واينزوورث ) ردود فعل الرضيع إزاء هجر الراشد له في موقف لعب حيث تجلس الأم مع طفلها في غرفة اللعب ثم ترجع بعد برهة من الزمن ووجد الباحثان أن ابن السنة لا يحتمل غياب أمه عنه لعدد من الدقائق فتراه يصرخ ويركض إلى الباب ويتجول في الغرفة كما لو أنه يبحث عنها ويفقد كل اهتمام باللعب والدمى ويهدأ الصغير برجوع أمه ويتعلق بها ويقاوم أية حركة لإبعادها عنه 0 ولقد أكد باحثون آخرون تلك الملاحظات على الأولاد بين العمرين عشرة أشهر وثمانية عشر شهراً 0
أبدت القردة ردود فعل على فصلها عن أمهاتها مشابهة لردود فعل الأطفال البشريين وأمكن مع تلك الحيوانات التصرف بالمتغير المستقل فوضعت الأمهات في أقفاص على مقربة من القردة الصغار التي حجزت في أقفاصها 0 ولوحظ أن حرمان القردة من الاحتكاك بأمهاتها يدفعها إلى الصراخ والقفز والتطلع الغاضب كما لوحظ أن مثل ذلك السلوك ينقلب بعد ثلاثة أسابيع من الحجز إلى ضرب من اليأس والخمول وفقدان الاهتمام ولم تختلف ردود فعل الأطفال البشريين الذين عزلوا عن أمهاتهم لأسباب ترجع إلى شروط حياتهم عن الاحتجاج الذي أبداه أطفال القردة إلا في تمردهم لدى عودة الأمهات إذ لم يعمد أطفال البشر إلى ملاقاة الأم العائدة بحنان بعد فصل تجاوز الأسبوع 0 يقابل الطفل البشري أمه العائدة كما لو أنه لا يعرفها أي كما لو أنها كانت غريبة عنه فيصرخ ويبتعد عنها إن هي حاولت التقرب منه وينقلب سلوك اللامبالاة بعد ايام إلى ضرب من الصراع بين البعد عن الأم الغائبة وبين الارتماء إليها 0 يشعر الوالدان أن الطفل يفعل ذلك كما لو أنه ينتقم منها 0 إذ يزول سلوك الذبذبة بعد أسابيع من حياة التعايش الطبيعي بين الولد وأمه وتظهر ردود أفعال الطفل عن فصل أمه المؤقت عنه أهمية التعلق الأولي بالأشخاص الأساسيين في حياة الطفل 0 لكن من المفيد أن نذكر أن مشاعر اليأس التي تعصف بالطفل لدى غياب الشخص الأساسي في حياته عنه تخف كثيراً إن بقي حول الطفل أناس يعنون به 0
النظريات التي تفسر أصول التعلق الطفلي بالراشد :
يتفق علماء النفس على شمولية قلق الفصم لدى الأطفال كلهم في المجتمعات كلها إلا أنهم يختلفون في نظرياتهم التي تشرح أسباب ذلك القلق يؤكد تقليديو التحليل النفسي ونظريو التعلم انبعاث الاهتمامات الاجتماعية من الحاجات البيولوجية للفرد مباشرة فالطفل برأي جماعة التحليل النفسي يبدأ بالشعور بالحب نحو أمه لأنه يقرنها بتجربة الإطعام الملذة 0 أنا بالنسبة لنظريي التعلم فإن إرضاء الدافع الأولي من جانب الأم في أثناء إطعامها وليدها يدفع الأخير ليكون دافعاً ثانوياً يتمثل بتقربه من الأم واتكاليته عليها 0 ويضيف هؤلاء بأن الاهتمام الاجتماعي المصاحب لحب الولد لأمه واتكاليته عليها يتعمم نحو الناس الآخرين 0
دفعت تلك النظريات غالبية علماء النفس ولسنوات عديدة إلى التمييز بين الدوافع الأولية ( البيولوجية ) من جهة والدوافع الثانوية (الاجتماعية ) من جهة ثانية 0 إلا أنه قامت بدءاً من عام 1960 نظريات جديدة رأت أن الاهتمام الاجتماعي دافع إنساني متميز وأولي 0
يعتقد بولبي ( Bowlby ) الذي يعد من أهم الآخذين بالنظريات الحديثة أن التعلق بالآخر ينبعث من سلوك (( التأثير والتوجيه )) ومن الاهتمام الشخصي الذي يوليه الآخرون فالاستجابات الاجتماعية من جانب الراشدين هي التي تشكل السلوك التعبيري للناشئ في أنماط من التعلق التبادلي 0 وتميل نتائج الدراسات العلمية لترجيح وجهة نظر بولبي على النظريات التقليدية الأميل للأخذ بنظرية إرواء الحاجة في تفسير النمو الاجتماعي 0 وهكذا فعندما يتعلق أبناء التعاونيات الاشتراكية بوالديهم الذين يداعبونهم لفترة قصيرة كل يوم وليس بمن يطعمهم فإنهم إنما يبدون (( الإثارة الاجتماعية )) وهذا يتعارض مع الاتجاه القائل بأن الحاجات البيولوجية هي التي تقود إلى نمو روابط اجتماعية وثيقة 0
يقدم عمل هارلو في مجال الحيوان دعماً جديداً لتلك النظرية إذ قد أبدت صغار القردة تعلقاً بالآخر على الرغم من أنه لم يطعمها 0 وقد وضعت القردة في تجربة هارلو مع نوعين من أم حديدية تتكون الأولى من أسلاك معدنية والثانية من أسلاك معدنية مغطاة بالقماش 0 وكان لكل منها زجاجة إرضاع في صدرها يستطيع الصغار تناول طعامهم منها 0 مالت القردة كلها للتعلق بالأم الحديدية المغطاة وعندما وضع شكل مرعب في القفص هربت صغار القردة من كلتا التجربتين للاحتماء بالأم القماشية (هارلو 1959 ) 0يعمل تأثير الأدلة العلمية في مجال الإنسان والحيوان على دفع الكثيرين من جماعة التحليل النفسي ونظريي التعلم باتجاه نظرية بولبي فيميل بعض جماعة التحليل النفسي اليوم إلى عد أن الطفل ينزع (( بالفطرة )) للبحث عن الأشياء بحيث يبدو الدافع الاجتماعي وكأنه يصدر تلقائياً عن الكائن وليس كنتيجة للدافع الحيوي 0 يأخذ الاستنتاج المشار إليه أهمية خاصة في مجال تشكيل المحيط للاهتمامات الاجتماعية التي تبرز خلال عملية نمو القردة 0
الفطام والفردية :
تضعف أهمية التعلق بالأشخاص الذين يتعلق الطفل بهم في مرحلة جاهزية الطفل لدخول المدرسة إذ يدخل العديد من الناس في تلك الفترة عالم الطفل ويزيدونه غنى بالاهتمامات الاجتماعية 0 وبذلك يتخطى الناشئة ( القلق من الغريب ) و ( قلق الفصل عن الأم ) ويكون أبناء السنة الثالثة أقل تأثراً بترك الوالد من ابناء الثانية 0 ولا يتأثر أبناء السنة الخامسة قط بغياب الوالدين أو أحدهما 0 ومع سيطرة الطفل على ضربي القلق المذكورين يزداد ميله للانفصال عن الوالدين والانسياق مع فرديته الخاصة 0 ويمكن تسمية ميل الطفل للانفصال والتفرد (( بالفطام النفسي )) الذي يمهد السبيل لنمو الذات واستقلاليتها 0
بدايــة الفرديـــة :
يبقى الصغار خلال السنة الأولى في أي مكان تضعهم فيه أمهاتهم وقد يسوء سلوك الرضيع ويجترئ على تعليمات الأم بملازمة المكان إلا أن ذلك يبقى عرضاً ولا يرتبط بمشاعر الولد نحو أمه 0 غير أن أمرين على درجة كبيرة من الأهمية يظهران في السنة الثانية إذ تزداد أولاً مهارة الأولاد في معالجة الأشياء وفي التجول ويبدؤون يحسون أن سلوكهم يؤثر في أهلهم وتبقى على الرغم من ذلك سلطة الوالدين على الطفل على صدراتها فيعاقبان الطفل على تمرده على أوامرهما ويعززان حركاته الخضوعية 0 إلا أن الأولاد في هذه المرحلة يعرفون كيف يتلاعبون بمشاعر والديهم 0
تؤشر مهارة الطفل ووعيه لتأثيره في والديه بداية انطلاقه نحو الاستقلال فينتقم الطفل لنفسه من الحرمان والسيطرة التي تمليها عليه الأم ويعمد إلى معاقبتها على الفور ببصق الحليب وبرفضه الركون عن الحركة عندما تريد إلباسه وبتفجره الانفعالي الذي يعمل على (( تمزيق )) أعصاب الأم وتساعد اللغة الطفل على رفع صوته بالاحتجاج وإعلان حاجاته والإفصاح عما يريد فتخرج اللغة عن كونها مجرد واسطة مفرحة للاتصال بين الأم ووليدها لتكون واسطة للتعبير عن الصراع الدائر بين الاثنين ولا تعني قولة الطفل ( لا ) أنه يرفض هذا الأمر أو أنه يطلب القيام بأمر آخر يرضي حاجة أخرى بل تكون تلك الـ ( لا ) محاولة لتأكيد ذات الطفل كفرد متميز أي على إرضاء حاجة الحاجات الأولى 0 ومعارضة الطفل لوالديه إنما هي الأداة الأساسية لإثبات هويته المستقلة ورعايتها 0 العادة أن تضايق سلبية الطفل وثورته والديه إلا أنهما يحترمان ذلك الجانب الضروري وإلهام للذات النامية ويرعيانه 0 ويفرض النمو على الناشئ أن يثور فإن هو لم يفعل ذلك في نهاية السنة الثانية فقد يكون السبب هو علاقة مرضية بين الولد وأمه تتمثل بما يسمى المريلية 0 يتعلق الطفل المريلي بأربطة مريلة أمه يفعل ما تريده أن يفعل ويمتنع عن فعل ما تمنه أن يفعله ولا يتقدم الطفل المريلي لفصل نفسه عن أمه ولإقامة هويته المستقلة تكون المريلية قبل السنة الثانية ظاهرة طبيعية إما ن هي تخطت السنة الثانية كانت دلالة مؤكدة أو إشارة لنمو مرضي شاذ لا يلبث أن يتكشف ملقياً آثاره المدمرة في الناشئ 0
استجابة الأم للفطام النفسي :
تشير الملاحظات السريرية لبعض المحللين النفسيين إلى أن الأمهات يختلفن كثيراً في استجابتهن لنزعة الطفل الفردية والمفروض أن تسر الأم لنزعة ابنها نحو الاستقلالية فميل أحدنا للسيطرة على الآخر واستخدامه له يجب ألا يمنعنا من الترحيب بما يكتسبه الطفل من براعم التفتح الذاتي المتمثل بالتمرد والسلبية اللذين يحققان نهايتهما بالاستقلالية 0 فإن استطاعت الأم تكييف ذاتها لتقبل تلك التغيرات وذلك بالاستمرار برعاية الطفل بذات النوعية والحب عملت على مساعدة الناشئ على أن يكون ( شخصاً ) في مستقبله 0 غير أن بعض الأمهات لا يتمتعن بالعناية بالناشئ إلا إذا كان اتكالياً عليهن ويفقدن اهتمامهن به إن هو أبدى مظاهر الاستقلال والتكون الفردي وتبحث تلك النسوة عن أي عمل يرضي ذواتهن عندما تقطع فردية الطفل مريليته ويجدن أنفسهن في مواجهة أطفال يعتدون بذواتهم وعقليتهم وشخصيتهم وإن رغبة الأم في الحمل من جديد قد تعني إرضاء رغبة الأمومة لديها بالعناية بولد يبقى على مريلته 0 وليس عجيباً أن تجد عدداً من النساء يحملن عند بلوغ طفلهن سنته الخامسة 0 وتعمد بعض تلك النساء إلى ترك المنزل ورعاية الأولاد إلى عمل خارج المنزل ينسيهن مأساتهن 0 وتميل فئة أخرى من الأمهات لأن تكن اتكاليات ولأن ترتحن إلى وجود من يعنى بهن 0 إن هؤلاء النساء يفرحن لدى ظهور نوازع الاستقلالية لدى أبنائهن لأنهن يشعرن بتحررهن من عبء تفسير الأشياء للطفل والاستجابة لإشارات الكآبة التي يطلقها 0 تجد تلك الأمهات لذة في التحدث إلى أبنائهن عندما يبلغون السنة الثالثة ويكرسن الكثير من وجودهن لأولادهن بعد أن كن بعيدات عنهم 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : السلوك | السمات:السلوك
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























